United States
نرددها دائماً بعفوية، نكتبها في تعليقاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي، وتتغنى بها الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج: "مصر أم الدنيا"، لكن، هل توقفت يوماً لتسأل نفسك: لماذا "أم" تحديداً؟ ولماذا لم تُوصف أي دولة أخرى في العالم بهذا الوصف الدافئ والعميق؟
في هذا الموضوع قررنا أن نبتعد عن التفسيرات التقليدية والكتب المدرسية المعقدة؛ لنأخذكم في رحلة صحفية مشوِّقة، نغوص فيها في عبقرية المكان، ونكشف أسراراً مدهشة عن البلد الذي قرر أن يكون "أماً" لملايين البشر عبر التاريخ. جهزوا فنجان القهوة، واستعدوا لاكتشاف الوجه الآخر لـ "أم الدنيا".
المحطة الأولى: موت.. عندما تكون الأم نسراً يحمي الجميع! لنتخيل معاً بدايات التاريخ الإنساني، حيث كانت اللغة المصرية القديمة مرآةً تعكس عمق تفكير هذا الشعب. هل تعلمون كيف كتب المصري القديم كلمة "أم"؟ لقد استخدم رمزاً صوتياً يُنطق "موت" (Mwt)، والمفاجأة أن الرمز التصويري المستخدم لتمثيل هذه الكلمة كان طائر "الرخمة" أو ما يُعرف بـ "العقاب المصري".
لماذا هذا الطائر تحديداً؟ لأن القدماء راقبوا الطبيعة بذكاء؛ فوجدوا في أنثى العقاب رمزاً للتفاني، فهي تمتلك جناحين واسعين تستخدمهما كـ "مظلة" طبيعية تحتضن بها صغارها وتحميهم، تماماً كما تفعل الأم. ومن هنا، تبلورت فكرة أن مصر هي "النسر الأم" (بالمفهوم الرمزي للحماية) التي تظلل بأجنحتها على كل من يحتمي بها، وهي العقيدة التي تجسدت في الايقونة "موت".
ولم يتوقف دور مصر كـ "أم" عند حدود الحماية، بل امتد ليكون "أماً للعلم والحكمة". ففي الوقت الذي كانت فيه حضارات العالم تهمش المرأة، كانت مصر تمنحها أرفع الألقاب الطبية القيادية. وهنا تبرز القصة الحقيقية للطبيبة "بسشيت" (Peseshet) التي عاشت في عصر الأسرة الرابعة (حوالي 2500 ق.م). لم تكن "بسشيت" مجرد ممارسة للمهنة، بل حملت لقباً رسمياً بالهيروغليفية هو (imy-r swnwt) أي "مشرفة الطبيبات"، مما يؤكد وجود كادر طبي نسائي منظم كانت هي رئيسته.
لقد كانت مصر، ومنذ فجر التاريخ، هي "الأم" التي تداوي وتعالج وتعلّم العالم، مستمدةً قوتها من علم "بيت الحياة" الذي خرّج للعالم أولى القيادات النسائية في تاريخ الطب البشري.
المحطة الثانية: روما كانت تجوع.. ومصر هي "الأم المُغذية" دائماً ما ترتبط الأمومة بالعطاء والإطعام. وإذا نظرنا إلى نهر النيل؛ فسنجد أنه كان أشبه بـ"شريان حياة" يتدفق بانتظام شديد، ليعلِّم المصريين الصبر والتخطيط والزراعة.
لكن الأمومة المصرية لم تقتصر على أبنائها فقط؛ ففي عصر الإمبراطورية الرومانية، كانت مدينة روما تعج بمئات الآلاف من السكان الجائعين. ولتجنب الثورات، ابتكر الأباطرة الرومان نظاماً يُعرف بـ"الأنونا" (Annona)، وهو نظام لتوزيع القمح والمؤن المجانية على أكثر من 200 ألف مواطن روماني. من أين كان يأتي هذا القمح؟ جزء كبير يأتي من خصوبة أرض مصر وحصاد فلاحيها!